يحيى العامري الحرضي اليماني

498

غربال الزمان في وفيات الأعيان

وفيها كان ابتداء ظهور التتر ، وهم نوع من الترك ، مساكنهم جبال صمعاج من نحو الصين ، يسجدون للشمس عند طلوعها ، ولا يحرمون شيئا ، ولا يحصون كثرة ، أخذوا كيسان [ وكاشغر ] « 1 » وما وراء النهر وسمرقند وبخارى وخراسان والري وهمذان والجيل والعراق وأذربيجان ، وخربوا جميعها في أقل من سنة ، وهذا لم يسمع بمثله . سنة ست عشرة وستمائة خرب عيسى المعظم سور بيت المقدس خوفا وعجزا من الفرنج أن يملكه ، فتضرر أهله ، وسعى مع أخيه الكامل في كشف الفرنج عن دمياط ، وحاربوا شديدا ، ثم سلموها بالأمان عجزا ، وتداعت الفرنج وأرادوا أخذ مصر ، وعزم أهلها على الجلاء فثبتهم محمد الكامل ، وسار إليه منجدا أخوه الأشرف موسى بعسكر الشام ، وخرج الفرنج من دمياط ، وذلك أيام الزيادة في النيل ، فعبر المسلمون عليهم النيل ، فلم يبق لهم وصول إلى دمياط ، وجاء الأسطول ، وأخذوا مراكبهم وكانوا مائة كند « 2 » وهو المركب . ولما بان للفرنج الغلبة سلموا دمياط ، وصالحهم الكامل ، ثم عمل سماطا عظيما ، وأحضر ملوك الفرنج ، وأنعم عليهم ، ووقف في خدمته أخوه موسى الأشرف وأخوه عيسى المعظم ، وكان يوما مشهودا ، وقام حينئذ راجح الجيلي فأنشد قصيدة منها : ونادى لسان الكون في الأرض رافعا * عقيرته في الخافقين ومنشدا أعباد عيسى إن عيسى وحزبه * وموسى جميعا ينصران محمدا وما أحسن هذا الشعر وأليقه بالحال ، وأحسنه مطابقة للمعنى حيث وقف الملوك في خدمة أخيهم محمد الكامل ، ووافق ذلك أسماء الأنبياء الثلاثة صلوات اللّه وسلامه عليهم ، وقد قال نبينا محمد صلّى اللّه عليه وسلم : « لو كان موسى وعيسى حيين ما وسعهما إلا اتباعي » ، وفي ذلك أعظم تبكيت للفرنج بل لليهود والنصارى أجمعين .

--> ( 1 ) زيادة من ب . ( 2 ) في النسختين وردت الكلمة مهملة ، وعسى أن يكون ما أثبت الصواب .